الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

74

مرآة الحقائق

--> - فالمرور عنه أجلّ لأنه يقدح فيما ذكرناه من الحيطة الكماليّة والاستيعاب الذي ظهر به الحق تعالى من حيث هذه الصورة العامة الوجوديّة التّامة التي هي الميزان الأتم ، والمظهر الأكمل الأشمل الأعم ، فافهم . فما ليس كذلك من العلوم والعلماء والمعلومات فليس بالعلم الحقيقي الذي نحن نصدر بيانه إلا بنسبة ضعيفة بعيدة ، ولا يعدّ صاحبها عند أكابر المحققّين عالما ، فإن صاحب العلم الحقيقي هو الذي يدرك حقائق الأشياء كما هي ، ومن سواه إنما يسمّى بمعنى أنه عارف باصطلاح بعض الناس واعتقاداتهم ، أو صور المفهومات من أذواقهم أو ظنونهم ، ومشخصات صور أذهانهم ، ونتائج تخيلاتهم ونحو ذلك من أعراض العلم ولوازمه وأحكامه في القوابل ، بل باعتبار كمال إطلاق هذا العلم الحقيقي ، وتوجهه ، وسعة دائرة مرتبته ، وانسلاخه من قيود الأحكام ؛ لغلبة صفة أحديّة الجمع بعظم إدراكه ، ومعرفته ، وعلمه ، وإحاطته بالأشياء التي علمها من هذا الوجه ، بهذا الطريق حكم الحق تعالى في علمه لأحمديّة الأصل ، والمرتبة ، ووحدة المآخذ . فافهم أنه تعالى أشار إليه بقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] ، ولكن يبقى هناك فروق أخرى بين العلمين ، فمثل هذا الذوق يسمّى علما حقّا ، ونورا صدقا ، فإنه كاشف سرّ ، ورافع كل شكّ وريب ، فافهم هذا الباب فإنه لبّ المعارف الإلهية . ثم لتعلم قلة حذوي الاستدلال ، ونهاية وصول العقل ، والوهم ، والخيال ، وبيانه أن اللّه تعالى لما خلق النفس الناطقة ، وخلق فيها قوة معنويّة نسبة معقولة وهي عين ما اتّصفت بها في الخارج كالأسماء الإلهية في الإلهيات ، فكانت من القوى قوة تسمّى مفكرة ، إذا استعملها الوهم ، وميّز الحق تعالى لهذاه النفس الناطقة الحضرات الثلاثة ، وولاها عليها وهي حضرة المحسوسات ، وحضرة المعاني الصّرفة المجرّدة عن المواد ، وإن لم تظهر بعضها في المواد ، وحضرة الخيال ، وهي حضرة متوسطة بين طرفي الحس والمعنى ، وهي خزانة الجباية التي تجيبها ، وجعل فيها : أي في حضرة الخيال قوة مصوّرة تحت حكم العقل والوهم ، فيتصرّف فيها العقل بأمر والوهم بأمر آخر ، ويقوى في هذه النشأة سلطان الوهم على سلطان العقل كما هو محسوس لأكثر الناس ؛ وذلك لأنه لم يجعل في قوة أن تدرك من المجرّدات كالصفات التنزيهيّة إلا العقل ، ومع هذا لم يكن في قوة العقل إذا خاض في الإدراك أن يدركها إلا بتصور ذلك الأمر المجرّد ، وهذا التصوّر من حكم الوهم ولا بدّ ، وذلك لأن التصور ليس غير الصورة التي لا يحكم بها إلا الوهم ، فصار فيما هو به عالم بالنظر والفكر ، أسير الوهم مقيّدا بلا شكّ ، فله الحكم والسلطنة على العقل من حيث التصور ، فافهم . ووجه آخر في ضعف العقل وقصوره ، وقلة جدواه في الإدراك ، وهو أن القوة الفكريّة لو كانت صفة من صفات الروح وخاصة من خواصه ، أدركت صفة مثلها ، ومن حيث أن القوى الروحانيّة عند المحققين رضي اللّه عنهم لا تغاير الروح فصحّ أن نسلم للناظر أنه عرف حقيقة ما ، ولكن من الوجه الذي يرتبط بتلك الصفة التي هي منتهى نظره ومعرفته . وقد اعترف أستاذ أهل النظر ومقتداهم عند عثوره على هذا السرّ ( 1 ) إمّا بالذوق وإمّا خلف حجاب القوة الفكريّة بصحة الفطريّة ، أنه ليس في قوة البشر الوقوف على حقائق الأشياء وعوارضها -